صديق الحسيني القنوجي البخاري
68
فتح البيان في مقاصد القرآن
اختلفت الصحابة ، فقال بعضهم براءة والأنفال سورة واحدة ، وقال بعضهم هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان وتركت البسملة لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معا ، قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما وقول من جعلهما سورة واحدة أظهر لأنهما جميعا نزلتا في القتال ومجموعهما مائتان وخمس آيات ويعدان جميعا سابعة السبع الطوال . ومنها ما قال السيوطي : إنه لم تكتب فيها البسملة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم . اه . وعن عثمان : قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أخرجه الترمذي « 1 » وحسنه . والصحيح أنها لم تكتب لأن جبريل ما نزل بها في هذه السورة ، قاله القشيري قال أبو السعود : واشتهارها بهذه الأسماء يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضا من سورة الأنفال ، وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها خلاف الظاهر فيكون حكمة ترك التسمية عند النزول نزولها في رفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعا بوصف الرحمة ، كما روي عن ابن عيينة رضي اللّه عنه ، لا الاشتباه في استقلالها وعدمه ، كما يحكى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، ولا رعاية ما وقع بين الصحابة رضي اللّه عنهم من الاختلاف في ذلك . على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن ، وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية ، وإن مناط إثباتها في المصاحف ، وتركها إنما هو رأي من تصدى لجمع القرآن دون التوقيف ، ولا ريب في أن الصحيح من المذهب أنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها ، وأن لا مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك ، وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف ولا مرية في عدم نزولها ههنا ، وإلا لامتنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو اختلاف فهو إما لاتحاد السورتين أو لما ذكرنا ، لا سبيل إلى الأول وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان لتعاضد أدلة الاستقلال من كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه عليه الصلاة والسلام تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) بَراءَةٌ أي هذه براءة وتنوينه للتفخيم ، وقرىء بالنصب أي اسمعوا براءة قاله
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 9 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 57 .